الأربعاء، 15 يوليو، 2015

تقدم العلم محكوم بالإكتشافات ومصلحة الانسان

لتكن عندك مجموعة ارقام، كلما تعكسها وتجمعها مع بعضها تنتج لديك نتائج، لكن في الأخير ستقف النتائج، لأن التشكيلات ستقف عند عدد معين، بمعنى آخر : العلم على ماذا يعمل ؟ على الفيزياء و على المادة بشكل عام ، سواء جامدة او سائلة او غازية او أشعة ، هذا يشبه أحجار الدومينو، في كل مرة تركّب بين أحجارها ، لكن : هل هناك شيء آخر غير المادة والطاقة ؟ هل هناك لبنة أخرى يعمل عليها العلم ؟ لا يوجد ، لأن العلم عمل على تلك اللبنات حسب المصالح و توقف .

لا توجد لبنات جديدة يعمل عليها العلم، الانسان ليست عنده الا الحواس ، والحواس رصدت له المادة، تعرّف على المادة الصلبة او السائلة او الغازية، ثم توجه لرصد لبنات اخرى لم تكن تُرى، مثل الأشعة والذرة، فعرفها وعمل عليها. الآن هل توجد لبنات أخرى جديدة حتى نقول أن العلم يتقدم؟

يطرح البعض وجود أبعاد ، كالبعد السادس او الحادي عشر ، لكن السؤال : هل تمت معرفته ؟ لو تمت معرفته فسنقول أن العلم سيتقدم ، لكن لم تتم معرفته، ولا يزال أوهام.

إن العلم أساسا مأخوذ من الفيزياء، حتى الرياضيات مأخوذة من الفيزياء، فقط الفرق أنها مجردة منها . ما لبنات الفيزياء ؟ إنها تلك اللبنات التي عرفنا وعملنا عليها بما يخدم مصالح الإنسان، هل توجد نقطة لم نعرفها في عنصر الليثيوم مثلا أو الحديد ؟

مثال آخر : اكتُشف الدي ان اي ، هذه لبنة لم تكن معروفة في القرن التاسع عشر ، وعملوا فيها حتى وصلت حدها المادي.

هذا يعني أن عصر الإكتشاف العلمي انتهى تقريبا الا من بعض الجيوب ، القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين امتلأت بالاكتشافات، بداية من اكتشاف القارات والمحيطات والجزر، واكتشاف قوانين الارض واكتشاف كرويتها. عصر الاكتشاف انتهى تقريبا ، وعصر التطوير سيتأخر في الإنتهاء بعد الإكتشاف، اذ يحتاج الى مدة، مثل الوادي ، اذا انتهى جريانه يبقى سَريْبُه ، وهو في مجال العلم : التدقيق والتضبيط والتركيب والتوظيف والربط، أي أنه مجرد تكميل لما سبق، وبعدها ينتهي.

بمعنى آخر : كل ما يسمى بالعلم و بعصر العلم ، هو في الحقيقة عصر إكتشافات أساسا ، وبالتالي وُجد في القرون الثلاثة تقدم علمي وتكنولوجي . بالتالي فإن القول بأن العلم سيتقدم لما لا نهاية هو وهم ، لأن العلم مرتبط بالإكتشافات وبالمصلحة ، فما دام توجد كشوف إذن يوجد تقدم. المسألة ليست خيالية كما يراها البعض المتحمس والمؤمن بتقدم العلم المطلق . هذا وهمُ عدم توقف العلم ، قال تعالى (حتى اذا اخذت الارض زخرفها وازينت وظن اهلها انهم قادرون عليها). هذا من ناحية نظرية.

البترول على سبيل المثال : بعد اكتشافه بدأ التطوير والربط والاشتقاق واستعمال الاسفلت للشوارع وو إلخ ، لكن الآن توقفت طرق الاستفادة من البترول غير الموجودة منها أو تكاد ، من الجزء تعرف الكل، الآن ما الذي يمكن أن يُكتشف في البترول أو يمكن أن يطوّر به البترول ؟ تقريبا توقف البحث في ذلك. اكتُشفت زيوت التشحيم والبلاستيك وو .. هنا انتهى ، ولاحظ أن المصلحة ايضا تساعد على التوقف، هذا عدا مصالح الشركات التي هي ضد الاختراع والاكتشاف اذا كان يضر مصالحها الخاصة.

العلم مرتبط دائما بثنائية المصلحة والاكتشاف او الاختراع. لهذا تتوقف البحوث في أي شيء حقق هاتين الغايتين، هل ننتظر اكتشافا يقضي على ملعقة الطعام مثلا ؟ مع أنها حققت الغاية ولا احد يشتكي منها ؟ لهذا قالوا ان العلم يحتاج الى مشكلة، و المشكلة ستكون حاجة الناس ، أي المصلحة ، والحاجات لها حد ، مثلما توقفت الحاجة لاستخدام الملعقة او الحذاء.

انا افترض ان عصر العلم بدأ ينتهي ، ولاحظ ان الاكتشافات التي تمت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، هي التي لجّ بها القرنين العشرين والواحد والعشرين . كانت كشوفا هائلة ومخترعات عظيمة. الطائرة بتركيبها وتصميمها كما نراها اليوم هي التي عملت لأكثر من 100 سنة، مع بعض التطويرات، والتكبير والتصغير الخ. وفكرة القطار هي هي من 200 سنة، مع التطوير والتكميل، و لاحظ أن التطوير والتكميل عبارة عن حلول لمشاكل، لو لم توجد المشاكل لما وجد التطوير، لكنه تطوير يعتمد على الأصل، والأصل حَلَّ المشكلة.

الان كيف تعرف موازنة أن العلم سيستمر او لن يستمر في التقدم والجديد ؟ إذا وُجد تناسب بين الكشوف وبين البحوث و الربط ، فالبحث يعمل والاكتشاف يعمل، الاكتشاف يعمل والتطوير يعمل، في هذه الحالة لن يتوقف. لكن الاكتشافات الآن بدأت في مرحلة النضوب.

الطيران على سبيل المثال : تاريخه يقارب 120 سنة، تقريبا قرن و نصف القرن والطائرات تطير ، هي نفسها بدون أي تغيير، اللهم تطويرات جانبية فقط، لكن الفكرة الاساسية للطيران بمعنى وجود آلة يركبها الناس وتطير بهم هي نفسها لم تتغير. وهي نفسها فكرة الطيور. صحيح تم تغييرها وتشكيلها لأشكال جديدة، كطائرة الهيلوكبتر وغيرها، لكن انتهى ذلك، فاللبنة استُغلّت ، مثل تلك الأرقام أو الحروف التي شُكّلت منها تشكيلات وكل مرة تطبق عليها عمليات حسابية أو كلمات جديدة ، في الأخير ستنتهي. ما دام الاساس محدود فالنتيجة محدودة.

السؤال : اين الاكتشافات الجديدة حتى نقول أن العلم سيتقدم ؟

قد يقول قائل : الاختراعات لم تتوقف . هذا صحيح ولكن أليست الاختراعات مبنية على الاكتشافات أيضا ؟ الاختراع هو ربط بين الاكتشافات، حتى اختراع محرك السيارة عبارة عن ربط.

زد على ذلك قضية المصلحة التي بالإمكان سدها ، بدأت تنسد إلا في بعض الجيوب، اما المجالات التي لا يمكن سدها مثل سر الحياة او القضاء على الحزن او اعادة الزمن ، او معرفة اللامنتهي، والخلود، هذه لا يمكن للعلم ولا لغيره ان يتطرق اليها، لا من قريب ولا من بعيد، وليس له أي خطوة في هذا المجال. لأنه لم يفهم ما هو الزمن حتى يستطيع ان يتحكم فيه، ولا ما هي الحياة حتى يستطيع التحكم فيها، فاقد الشيء لا يعطيه.

المصلحة تتحكم بالعلم، ما دام محرك السيارة هو نفسه قبل 100 سنة ولم يتغير، فهذا لأنه قام بسد الحاجة، ولم يُفكَّر بشيء آخر.  في الكهرباء ، هل يحتاج الناس الى محرك كهربائي لمروحة مثلا غير المحرك الموجود ؟ لا ، طالما أن الناس لم تحتج، إذن لن يفكروا في هذا المجال أصلا . فهو غير مكلّف وليس ثقيل الوزن وو .

اي شيء يسد الحاجة والمصلحة فلن يُفتح فيه مجال للبحث، وحتى لو فُتح المجال فلا يمكن الخروج عن اللبنات الموجودة. اذن تقدّم العلم وتناميه وعدم توقفه مطلقا، هذه عبارة عن خرافات إلحادية . العلم كلما أُضيف إليه ما سبق من علوم، كلما كان زخمه أكبر، و حسب تفكير المتحمسين لتقدّم العلم فهم يعتقدون أنه سيتوسع العلم اكثر وسيقفز قفزات اكبر، وإلى الأبد ، بحيث سيُخبر العلم لاحقا عن سر الكون وسر الحياة وعن كل شيء ويخلق الحياة ويعيد الشباب بل ويأتي بالخلود ويحل كل مشاكل الحياة جملة وتفصيلا ويُرجع الأجداد لنتفرج عليهم وينقلنا بنفس اللحظة الى أي مكان او أي زمان ، ويخبرنا بآخر الكون وأصغر الكون و أول الكون وآخره، وحلول مشاكل الزمان والمكان كاملة، الخ من أمنيات الملاحدة، على اساس ان العلم هو الجنة الموعودة .. (يعدهم الشيطان ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا) ، وأنه ساعتها لا تكون هناك حاجة للدين. هذا وهم و خرافة . العلم لم يغير فكرة القطار من 200 سنة ، وفكرة الكأس والملعقة من ربما مليون سنة ، وربما انه لن يغيرها ابدا . هل سيأتي يوم ويأتي شيء افضل من الملابس ؟ حتى جنة الله و قدرة الله لم تغيّر هذه الاشياء، ففيها لباس واكواب ونمارق و زرابي وفرش وغرف. اذا قلتَ ان العلم يتقدم فيجب ان يتقدم في كل شيء .

الصحن على سبيل المثال ، موجود منذ ايام العصر الحجري حتى الآن. وبقاؤه كل هذا الوقت لأنه سد الحاجة. لم يفكروا مثلا بطريقة تجعل الاكل يسير في الهواء وياتي إليك، لا ، لأن الصحن سد الحاجة وانتهى الامر. الخبز هو الخبز ، لم يتغير عبر التاريخ وفي كل مكان في العالم، لأن الذي صنعه لأول مرة سد به الحاجة، فتُعاد نفس التجربة. الغرفة ، البناء ، الابواب ، الدرج ، الحرث ، الاسقف ، الشوارع ، الهندسة ، الخ ..بل هناك علوم توقفت بشكل كامل او شبه كامل. مثل علوم الرياضيات والهندسة والجغرافيا، وتوقف بعض افراد القافلة يشير الى بداية توقف البقية.

الانسان الى العصر الحديث وهو يجهل اشياء بسيطة تحت قدميه، والانسان القديم ضللته النظريات الخاطئة عن الكون، وليس الدين كما يقول الملاحدة، انظر مثلا الى النظريات التي يمتدحها السوفسطائيون في اليونان، والعلماء الذريين كما يسمونهم، هذه النظريات هي التي اضلت الناس كل تلك السنين، مثل نظرية العناصر الاربعة وغيرها من الاوهام، بحكم الاصالة وأنها نظريات من اليونان، وبالتالي هي عظيمة، فلو كنت تدرس الطب في ذلك الوقت فأنت ستدرس العناصر الاربعة : التراب والماء والهواء والنار، وتسمى اخلاطا أربعة، وتقيسها على جسم المريض، هل هو حار رطب ، أم بارد رطب، أم حار جاف ، أم بارد جاف. و كل نوع من هذه الأنواع له أمراضه، واستمروا على هذه الاوهام . وصنفوا الاطعمة على اساسها.

الخرافات التي تسللت الى الدين ساهمت في ذلك ، و هي خرافات لم يُنشئها الدين ، بل هي خرافات موجودة لكنها أُدخِلَت على الدين. بمعنى آخر : الدين لا يُنشئ الخرافة، الدين تـُلصق به الخرافة لتكسب بُعدا أكبر من حجمها، و هذا أمر واقعي.

الانسان كان جدا جاهل ومسكين، مع أنه اكتشف اكتشافات باهرة في العصور القديمة، كالعجلة و النار واستخراج الزيوت والخبز والطبخ والخزف والزجاج ، وأمور كثيرة. لكنه كان يرى أمورا كثيرة في المادة لم يكن يعلم ما هي ، ولم يكن يعرف كثيرا من المعادن.

بعبارة اخرى : ما كانت تقع عليه أعين الانسان القديم كلّه عُرِف، وليس الأمر تطوّر في الإنسان نفسه، فالإنسان القديم له عينان والحديث له عينان. العصفور مثلا كان يراه الانسان القديم و يريد ان يطير، الانسان الحديث طار. كان يريد أن يعرف ما آخر الأرض، نحن عرفنا، ونحن مثلهم . بمعنى أن كل الحاجات التي كانوا يريدونها وجدناها. اذن لم يتقدم العلم، لأن ما نريد أن نعرفه عرفناه، ما رصدته حواسهم نحن عرفناه، (وما أوتيتم من العلم الا قليلا) .

لننتبه الى نقطة أن الانسان القديم رصد الظاهرة وتسائل عنها، والانسان الحديث اجاب ، والإنسان هو الإنسان، أي ما كان الانسان جاهلا به عرفه، اذن من اين ستأتي الأسئلة الجديدة المبنية على حاجات ؟ من أين ستأتي المشكلات؟ بعض المشكلات حلها الانسان القديم ، مثل مشكلة الزجاج والخزف والأواني والطعام، لكن كان يتسائل كيف يكون الليل والنهار، وهذا السؤال أجاب عنه الإنسان الحديث ، بل وعرف اكثر من تلك التساؤلات، عرف الجين (الصغير ماديا والذي لم يكن يراه الانسان القديم) بواسطة المنظار ، ماذا بعد هذا ؟ لا توجد مشكلات لحلها، إلا بعض قضايا مثل : ما هو الكون ؟ ومن اين جاء؟ وما هو آخر الكون ؟ وما هي الحياة ؟ هنا على الانسان ان يصمت ، لأنه ليست لديه لبنات في هذا الموضوع، والانسان القديم لم يخط خطوات في هذا المجال حتى يستكملها، اذن هي مجالات خارج العقل ولا يمكن أن يعلمها الانسان، وبالتتالي لا يمكن أن يسير فيها العلم فضلا على ان يتقدم، يجب ان نعرف نه لا يوجد مطلق الا الله، لا يمكن أن يستبدل العلم بالله كما يريد الملاحدة، اذن المحدود لا يحل محل اللامحدود. والعلم محدود في مجابات معينة، ومصيره التوقف. ونضوب الإكتشاف مؤذن بتوقف ما يتبعه من اختراعات او تطوير، وها قد دخلنا في هذه المرحلة.

كان الانسان منذ القديم يريد وسيلة نقل سريعة، الانسان القديم اختار الخيل لأنها الاسرع وصار يبحث عن الخيول السريعة لتحقق حاجته، بعدها جاء الانسان الحديث واخترع السيارة والطائرة ، السؤال : هل يمكن ان توجد وسيلة اسرع من الطائرة والصاروخ؟ باستثناء تلك الخرافة التي تقول بأنه يمكن نقل ذرات الانسان بلحظة ويكون في مكان آخر ؟

من علامات النضوب في الاكتشفات العلمية، اللجوء الى النظريات والاكثار منها ووضعها في منزلة العلم كنائب فاعل .

هذا الكلام ليس موجها للعلم ، بل موجها لمن يصنّم العلم ويعتبره إلها على كل شيء قدير .

هناك تعليقان (2) :

  1. أشكركم على هذا الموضوع.. وجهد يستحق الثناء
    وأتشرف بزيارتكم لموقعنا التعليمي هارتزي | نبسط العلم والمعرفة
    http://hartzy.net

    ردحذف
    الردود
    1. العفو أخي الكريم رامي ، بارك الله فيك ، وشكرا لمرورك وتعليقك الجميل ..
      سأزور الموقع في اقرب فرصة ..

      حذف