الخميس، 22 يناير، 2015

العبثية والإلحاد ..

العبثية لا تقدم نظاما ، العقل لا يرصد شيئا اسمه العبثية والفوضوية والصدفية ، العقل يعرف : بما أن .. إذن .. ، كسلاسل منطقية مترابطة . اذن العبثية لا يمكن ان تكون حقيقة . وإلا فلنتخلص من العقل حتى نقبل العبثية كحقيقة ، لكن سنقبلها بماذا اذا تخلصنا من العقل ؟ العقل و العبثية ضدان ، والإلحاد بنى ما يسميه فكرا على العبثية ، اي على اللا معقول ، واي عبثي او فوضوي هو شيء غير معقول ، اي لا يمكن تسجيله في العقل الذي خلق لمعرفة النظام .

تستطيع ان تسمي العقل اسما اخر و هو : حاسة النظام في الانسان . و اذا قدمت فلسفة كاملة للحياة مبنية على العبث ، فعلى العقل السلام . فالعبثية تدخل من باب و العقل يخرج من الباب الآخر . و بعد هذا كله يتبجح الماديون العبثيون بالعقلانية و العلم ! هذا امر عجيب و تناقض حاد وغريب ، و كيف يـُدرس العبث والفوضى و هو عبثي ؟ هذا قتل للعلم و العقل معا . و ما كان اصله عبث سيكون فرعه عبث . 

اما فكرة الفوضى التي تخلق نظاما ، فالفكرة نفسها يلفظها العقل ، لأنها غير منطقية وغير موجودة في الطبيعة ابدا ، و لم تمر على العقل البشري يوما من الايام . انها من صنع الخيال ليس الا . فلا حالة واحدة عرفها البشر انوجد فيها النظام من لا عقل ولا ارادة .. ولا في حالة جزئية بسيطة ، فكيف اذا كان نظاما معقدا اشد التعقيد ومتناسقا مع بقية الانظمة ؟ كيف يكون كل هذا النظام في الكون جاء دفعة واحدة من العبث ؟ حتى تقبل هذه الفكرة عليك ان تتخلص من عقلك ، وهو شرط ضمني على الملاحدة ان يصرحوا به ..

انها نفثة خيالية لم تلامس الواقع يوما من الايام ولاتعرف لها طريقا . حتى الخيال يحتاج الى بعض العقل حتى يهضم ..  شطحة متناهية في الغرابة و القبح معا ، وهكذا كل من يريد ان يتخلص من وجود الاله فالضحية هو عقله و ذوقه دائما .. وهذا اكبر دليل على وجود الله .. ان نفي وجوده يمحق عقلانية نافيه .. ولو لم يكن الا هذا الدليل لكفى من يتذكر ..

فالشيء لا يأتي من ضده ، والملاحدة يصرون على ان الشيء ياتي من ضده ، ومع ذلك يتبجحون بالمنطقية ! اي انهم يريدون ان يكونوا منطقيين رغما عن المنطق . على طريقة : كرر و كرر حتى تُصدَّق ! العقل يعرف ان وراء كل نظام وعي و عقل و ارادة ، العقل يوصِل الى الله ويقف عنده ، والعقل مأخوذ من الحياة كلها . اعزاءنا الملاحدة المنطقيين يكسرون هذه ايضا ! و يصرون على منطقيتهم بقوة الاعلام الراسمالي ! انهم يريدون ان يثبتوا العبث باستخدام المنطق عبر لبس مريلة العلم ! ويريدون اثبات ان المنطق جاء من العبث ، و النظام من الفوضى . اذن اين ذهبت الفوضى ما دام حل محلها النظام الكامل ؟ 

طرح الملاحدة يساوي "طرح" العقل ، و لم يظهر في التاريخ اي فكر يتصادم مع العقل مثل فكرهم .. و بنفس الوقت يدعي العقلانية ! ما اكبر المغالطات التي يريدون من العقل المسكين ان يبتلعها : كون كامل جاء من الفوضى ، بل جاء من اللاشيء ، و بنفسه ! اشتغلت عليه الفوضى حتى عقدته اعقد تنظيم ! يا للجنون الذي يـُفرَض على عقلاء العالم ! اقل جزئية في هذا النظام القادم من الفوضى العمياء ، يـُدرَس عشرات السنين حتى يفهم تنظيمه و ليس عبثيته ، ولا يـُوصَل إلى آخر نظامه !

فعلا الفلسفة المادية عدو للعقل ، ومن حقها ومعذورة عندما طالبت بموت الفلسفة و بشّرت به ، لان العقل هو الذي يفضح تهافت هذه الفلسفة التي لم تتهافت فلسفة كتهافتها امام العقل . و سوف تدوسها البشرية وترميها وراء ظهرها عندما تكتشف حقدها الدفين على العقل و انسانية الانسان ، فالانسانية اثمن ما عليها هو عقلها و احساسها ، وليس مادتها كما يتصور هؤلاء الماديون .

ان طرحهم غريب جدا على البشرية ، ولم تعرفه في السابقين ، كل ما في الامر ان البشرية لم تدقق في طرحها حتى الان . وكل من ابتعد عن الالحاد فبسببين : اما بسبب الاخلاق او بسبب العقل ، او بهما معا .. 

ان القول بالعبثية لا يحتاج الى دليل ، اي انها مخرج مريح ، و لكن القول بالنظام هو الذي يحتاج الى اثبات . اذن فكرهم فكر هارب عن الحقيقة و ليس واجدا لها . من يقول ان المنزل احترق بفعل فاعل سوف يطالـَب بالدليل وراء الدليل ، اما من يقول انه احترق من نفسه ومن الصدف ، فلا يطالب بدليل لانه خرج عن نطاق العقل ، والعقل نظام و تسلسل .. لا تستطيع ان تثبت بالنظام العبثية ، ولا تستطيع ان تثبت بالعبثية النظام ، اذن من اختار العبثية فقد اختار اللاعقل واختار الطريق السهل ، و من اختار النظام فقد اختار العقل واختار الطريق الصعب.

هناك تعليقان (2) :