الأربعاء، 18 يوليو 2012

الجدوى من الحياة





الجدوى من الحياة هي ما يجعل الإنسان المؤمن يتحمل هذه الدنيا لأن مصيره في النهاية هو الموت , فالموت هو ما يخفف الرغبة بالشهوات , ونرى الشعراء الذين تحدثوا عن الموت وعن طريقه أثبتوا أن الحياة ألم وعذاب ولا تستحق العيش فيها كأبي العتاهية وحتى المعري , وكذلك الفيلسوف شوبنهاور , وهم قالوا ذلك لأنهم عرفوا (الحياة من أجل الحياة) وهذا سر تشاؤمهم .

 وكل من يفكر فسوف يقوده تفكيره إلى التشاؤم , فلا بد من وجود حياة أخرى تعمل من أجلها , فالحياة من أجل الذات تسبب فقدان الحياة وبالحسابات العقلية هي خاسرة , فالإنسان بعد سنوات سيفقد شبابه وتزداد أمراضه وآلامه , ففكرة الماديين والدنيويين والأبيقوريين هي فكرة خاطئة لأنه أي خسارة سوف تكسرك والخسارة مستمرة , ولا يوجد ربح حقيقي وبذلك فالخسارة مستمرة .

 فمهما جمعت من مادة فإن المادة ليست كلها لك , وبذلك فأنت تجمعها لغيرك فالإنسان يمتلك معدة واحدة وليس معدتين , فلو ملكت سفينة مملوءة بالتفاح فأنت في النهاية لن تأكل إلا تفاحة واحدة , ولن ينفعك ذلك إلا إذا أنفقت هذا التفاح لحل أزمة مجاعة في أفريقيا مثلا , وإلا لن تستفيد شيئا , لأن الإنفاق رَبَط ما تملك بأهداف سامية وهنا ستحس بالجدوى من وجودك .

إذاً فالحياة لأجل المتعة على الخطة الأبيقورية هي فاشلة , إذاً .. إذا كان الملحد عقلاني فعليه أن ينهي حياته لأنها ليس فيها أرباح , وما يجعل الملحد يحب حياته هو الأمل والأماني .. قال تعالى: {وغرتهم الأماني} الآية .. {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} الآية .. حتى الشاب حياته تنقص ولا تزيد , إذا فالجميع في خسر , كقول أبي العلاء المعري :

إنّ حُـزْناً فـي ساعةِ المَوْتِ أضْعَا      فُ سُـرُورٍ فـي سـاعَةِ الـميلادِ

وإذا كنت تنظر للحياة بأنها متعة وشهوات فالواقع سيقول لك بأنك مخطئ , إذا ماذا نعلم ؟ .. هذا يدل على وجود طريق سليم يعطي الإحساس بالانطلاق وهو أن لا يحيا الإنسان لنفسه وإنما يعيش لأجل أهداف سامية لأن النفس خاسرة أصلا , بينما لو كان لدى الإنسان أهداف سامية فإن الإنسان يموت وأهدافه السامية لن تموت , وبذلك أصبح الإنسان ذو قيمة منحتها إياه أهدافه السامية , فهو يعمل لأجل أهدافه ويعلم بأنه سيفنى وأهدافه لن تفنى .

وحتى الرضا بالقضاء والقدر هو صبر جميل للمؤمن لأنه ارتبط بالله الذي يحبه عباده , فصبر عباده هو من أجل حبهم له , بينما لو يصبر الإنسان من أجل نفسه فإن صبره سيكون أليما , فمثلا لو أقام شخص مشروع خاص به وفشل هذا المشروع فإنه سيصاب بالإحباط , لكن لو كان هذا المشروع إصلاحي لوجه الله فإن قضيته هنا هي العمل وليست النتيجة , فالأهم بالنسبة للشخص هو أداء الواجب وحتى لو خسر فإنه لن يهمه .

وبذلك فلن تصلح حياة الإنسان إلا بالارتباط بالله , ولن تصلح حياته عندما يكون الإنسان هو الوسيلة والغاية , أي جسمه يعمل من أجل جسمه ( فلا يصلح أن يكون الشيء وسيلة وغاية في نفس الوقت ) .

الأصل بالشعور الإنساني هو الانطلاق وليس الانغلاق , والانغلاق أو التبلد هو حالة مرضية وليس حالة صحية , لأن الشعور لديه حركتان , اندفاع وانسحاب , والانسحاب يسبب انكماش للشعور وينتج عنه الخوف , حتى الكراهة والشك والتردد عبارة عن خوف , وبذلك فمقياس الصحة النفسية هو انطلاق الشعور , فيكون الشخص مبادر ومنطلق مثله مثل الطفل في بداية حياته تجده منطلق قبل أن يبدأ به الخوف عندما يكبر ويمتلئ بالعقد النفسية .

وعندما ترى إنسانا متفائلا بشكل دائم تحس بأنه سطحي وغير فاهم للحياة , أما إذا كان الإنسان مؤمن بالله وهذا الإنسان يعلم أنه سيعيش في جنة ليس في هذا الخسر اليومي الذي يعيشه في الدنيا فإنه من حقه أن يتفاءل , بينما من يتأمل الحياة بعقله فهو سيذهب إلى التشاؤم , وهذا يدلك أنك إذا أرت أن تعيش الحياة بلا تشاؤم فلا بدل أن تملك فكرة سليمة وحقيقية , والمنطق هو من يجبرك أن تعترف أن الحياة لأجل الحياة تساوي تشاؤم وخسر وألم ومنطقيا يجب الخروج منها , ومن هنا بوابة الانتحار فالخروج من الحياة هو الخروج من الألم .

 وفلسفيا ومنطقيا فالحياة لا يمكن أن تعاش من أجل الحياة , فالنظرة الدنيوية خطأ , وفكرة الإيمان هي الحل الوحيد من أجل أن تجد الجدوى المنطقية للحياة وهو أن تعيش لهدف سام فلا يحصل لك هنا الإحباط والألم لأنك تعمل من أجل غيرك , لأنك عندما تعمل من أجل نفسك فإنها ستهمُّك النتيجة أما عندما تعمل من أجل غيرك فإنها لن تهمك النتيجة , قال تعالى : {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء} .

ومن يعجبون بالدنيا هم يعيشون وهم وغرَّتهم الدنيا ولا يعلمون أنهم في خسر , وبذلك فالحياة مشروع باطل إلا إن خرجت عن الذات كمحور , أي نعيش من أجل غيرنا ولذلك سمانا الله بالعبيد , والعبد يحيا من أجل غيره فالعبد خادم . 

هناك 3 تعليقات :