الاثنين، 11 أغسطس، 2014

رد على تعليقات موضوع اسبينوزا وابن رشد 2 (6 من 8)



جميل أن يكون لحياتنا مغزى ولوجودنا غاية .. لكن ما هي الحقيقة؟

الإلحاد صحراء قاحلة وهوة سحيقة لا قرار لها .. لكن ما العمل إذا كانت هذه هي حقيقة الوجود؟


الرد : لماذا انت مقتنع 100% أنها الحقيقة ؟ إن هي إلا ظنون . يا اخي اكثر شيء يدل على الحقيقة هو العقل والمنطق والاحساس والعلم, وهي كلها في صف الايمان لا الالحاد ! قدّم حقيقة واحدة في صف الالحاد ! سواء اخلاقية او تاريخية او علمية او منطقية. ليس معك شيء ! وتدّعي امتلاك الحقيقة بيدين فارغتين ! ليس لديك الا انتقادات على المدسوسين على الاديان، وما هم الا علمانيون يستنفعون من الدين وأفسدوه على من لا يتكلف نفسه بالتحقق، أو جهلة يضربون في الدين خبط عشواء ، وتسمي هؤلاء العوام دين! هذه كل أدلتك ، ما هكذا تدرس الامور ..

الهدم ليس دليلا على الاثبات، حتى لو هدمت الاديان كلها لا تستطيع أن تثبت أنه لا يوجد إله، بدليل اللادينيين لا يقرون باي دين، ومع ذلك يثبتون وجود اله، وهم معدودون في الملاحدة ولكن عقولهم تُحترَم اكثر بقدر احترامهم لعقولهم وعقول الناس ..

اقرأ لأنتوني فلو الملحد المتعصب سابقا ، كيف ان رحلة عقله اعادته الى وجود اله. وإن كان لم يقبل بأي دين. فهل أنت وجدت الحقيقة التي لم يجدها انتوني فلو ولا غيره ؟ وحقيقتك نفي ! وهنا المشكلة ! ومن اصعب الأمور إثبات النفي، بل مستحيل. النفي علميا لا يكون الا بإثبات نقيض، فكل نفي يثبته الاثبات. ولا يكفي ان تقول ان هذا المتهم لم يسرق، لا تزول التهمة بالكامل حتى يعترف السارق الحقيقي. اذن نفي وجود اله يحتاج الى معرفة كل الكون والوجود وتفتيشه، وهذا لا يملكه الإنسان، أو وجود بديل منطقي عنه، وأنتم لم تقدموا بديل منطقي، بل خرافة ان كل شيء جاء من لا شيء ! وأن الصدفة فعلت كل شيء بهذه الاشياء التي جاءت من لاشيء! نحتاج إلى طاقة هائلة من الجنون حتى نصدق! فهل نصدق الأولى أم الثانية ؟ وكل حجة تحمل جنون أكبر من الأخرى؟! هل هكذا تعرف الحقيقة من خلال الجنون واللامنطقية؟ قدم حقيقة عُرفت بهذه الطريقة من الواقع مادمت واقعيا. اذكر لي شيئا انبنى من لاشيء وجعلته الصدف كل شيء حتى نقيس عليه "حقيقة" عدم وجود الله يا أخي! العقل يقيس, فقط حقائق المجانين لا يقاس عليها في الواقع، لهذا سموا مجانين, فهل الجنون هو دليل الإلحاد؟! حسنا : خلصونا من عقولنا حتى نكون مثلكم!

وسؤال لكم : كيف استطعتم التخلص من العقل وقيوده ؟ أم تؤمنون بالجنون الانتقائي : كن مجنونا هنا وعاقلا هنا؟! فقط نريد أن نفهم, فهّمنا كيف ألحدت! بدون أن تتكلم عن نقد الأديان, هل تستطيع هذا؟ إذا كان  أمامك شخص لا يؤمن بكل الأديان, كيف تقنعه أنه لا يوجد إله؟ ماذا ستقول له؟ وجد الكون من العدم؟ ما هو العدم؟ العقل لا يعرف هذا! وكيف صار بهذا النظام ؟ من اين جاءت اليته؟ هيا اقنع حتى نتخلى عن الإيمان, ألست  وجدت الحقيقة !؟ وصلها للناس! دون أن تسهب في نقد رجال الدين ، هذه الاسطوانة المشروخة! نحن ننتقدهم مثلك ولدينا انتقادات ربما لا تعرفها, لكن كيف تكون نتيجة نقد رجال الدين ومستغليه أنه لا يوجد إله؟! هذه الكارثة العقلية كيف توصلت إليها؟ وكيف تشربتها واقتنعت بها؟

منذ وجد الإنسان والعقل الانساني لم يقع بهذه الكارثة المنطقية، رغم أنم ملئوا دياناتهم بالخرافات، لكنهم لم يقولوا لا يوجد إله, لم يتهوروا لهذه الدرجة. من هنا نعرف لماذا الإلحاد طارئ وليس له جذور تاريخية, إنه استغل الحماس للعلم، مع أن العلم بريء من الإلحاد وليست مهمته أصلا, كيف يكون اكتشاف أخطاء في دين ما يؤدي إلى الإلحاد؟ هذا سلوك غير منطقي,

نعم لك الحق أن ترفض ذلك الدين إذا أثبت العقل والأخلاق خطأه، لكن تكون النتيجة أنه لا يوجد إله؟! النتيجة أن ذلك الدين خطأ وليس : لا يوجد إله! وتفتخر أن أكثر العلماء ملاحدة! هذا يسقط من قيمة عقولهم ولا يكبرها، والقدح في العقل قدح في القدرة العلمية, كيف يكونون علماء وعقولهم ضعيفة؟ العلماء بالعادة عقولهم كبيرة ومنطقية. وعدم وجود إله هو ما يحتاج إلى إثبات وليس وجوده, لأن كل شيء يشير إليه, ولا شيء يشير إلى الإلحاد. الإلحاد يقوم على نقض الأديان, إذن هو ليس وجودا مستقلا يستطيع أن يثبت نفسه. الإلحاد يصلح لصاحب هوى وليس لصاحب عقل منطقي . اللاديني أكثر عقلانية من الملحد, هذه حقائق حتى لو كانت أليمة, والمؤمن الحقيقي أكثر عقلانية من الاثنين.

كيف يفهم العقل هذه المعلومة المجنونة؟ انه لا يوجد إله؟! اذن هي مصادرة على المطلوب. وهي مغالطة معروفة. أرجو أن تحترم عقولنا ولا تستخدم كلمة "حقيقة" إلا بالثبوت، فكلمة "حقيقة" مكانها اصلا هو للثبوت وليست للنفي. بمعنى آخر : أنا من يصلُح أن يقول : الحقيقة أن الله موجود، لأنني اثبتّ، وأنت لا تصلح أن تقول : الحقيقة ان الله غير موجود، اذن أنت أخطأت في اول خطوة للحقيقة، نحن نتكلم في المنطق والتفكير الذي تزعم انه لا يصلح الا للملحدين، بينما هم يخطئون في بديهيات التفكير، اذن التفكير لا يصلح للملحدين، بل تصلح لهم الرأسمالية والقوة واللذة. ولهذا ألحدوا ، وليس رغبة في الحقيقة، فها هم يتخبطون في بديهياتها، ومهما تنبههم لا يريدون.

المفكر يهتم بكل اعتراض، وتوقفه الحقيقة اذا تبينت. اما من يردد ويعود لما قال فهذه هي الدوغمائية الالحادية، على مبدأ : (عنزة لو طارت) . ما دمت مفكرا : قف و ناقش كل نقطة ، ناقش طويلا، وسلاحك العلم والمنطق والاخلاق فقط، لا تقدم  لنا افكارا جاهزة بكل بساطة .. من مثل : "الحقيقة أنه لا يوجد اله" !! وانتهى الامر ! تقدّم حقيقة تعجز عن اثباتها ! هل هذه تسمى حقيقة ؟ وهل هذا يسمى تفكير ؟

ثم كيف أمر مثل هذا - أنه لا يوجد إله للكون - تقدمه على شكل حقيقة علمية؟ قل نظرية على الاقل ! حتى تُحترم علميا؟ أنا لا اقول لك اني رأيت الله ، لكن كل شيء يشير الى وجوده، فإثبات وجود الله لا يتم بدليل واحد، وكل حقيقة تحتاج إلى أن يكون كل شيء دليل عليها، لأن الحقائق مترابطة.

أنت الان تدعي انك ملكت الحقيقة، مثلما وجدها صاحب الفانيلة 2+2=5 .. أنت تناقض نفسك عندما تدعي أنه لا يوجد إله، لأن كلمة "حقيقة" تحتاج الى الكثير حتى تثبت، أما من باب الهوى والرغبة فتستطيع ان تثبت ما تشاء.

الدين جنة خضراء وراحة نفسية .. لكن ما الفائدة إذا كانت مجرد سراب وأوهام؟

لا يمكننا افتعال سعادة غير موجودة .. الأمر يحتاج إلى وهم أو سذاجة كبيرة أو ضعف نفسي شديد يوقف عمل المنطق!

بالإلحاد يمكننا صنع سعادة قصيرة محدودة آنية في هذه الحياة ..، لكن لا يمكننا افتعال سعادة أبدية مفترضة بعد الموت نعيش على أنغامها الآن ..

إذا كنت تقصد بأن الدين أفيد نفسيًا للإنسان ، فهذا صحيح، لكن ليس كل البشر، الدين يعالج فقط الضعفاء والبسطاء الذين لا فرق لديهم بين رجال الدين والمشعوذين، فهم سائرون بلا بصيرة خلف كل من يُمنِّيهم بالسعادة
!

الرد : كل هذه مسلّمات خاطئة تقدمّها ، الدين ليس جنة خضراء دائما، نسيت أن فيه عذاب عظيم وخلود في جهنم، فيه فروض وإلتزامات أخلاقية، فهل هذا تابع للجنة الخضراء؟ هذا اسمه لطش وليس فهماً .. افهم ما هو الدين قبل ان تصنف الدين بأنه أوهام وجنة خضراء .. الإنسان يحركه الخوف أكثر من اللذة، قال تعالى (إلا تذكرة لمن يخشى) ولم يقل : لمن يرغب أو يتلذذ، لاحظ ان القرآن يفهم الإنسان اكثر من الملاحدة، ويعرف أن الخوف اقوى تحريكا من الرغبة، لكن أنتم تفهمون العكس .. أنت تريد ان تقول كملحد في هذا الموضع، أن الدافع الى الدين هو الرغبة، ولو كنا في الحديث عن اساس الدين، لقلت – وأنت ملحد – أنه الخوف من مظاهر الطبيعة !! فانظر الى تناقضكم يا رعاك الله ..

انت قيّمت الدين من خلال نصف الدين، اذا كان الدين نصفه جنة ونصفه نار، وخير وشر، فأنت اخذت نصف الدين وعممته على بقية الدين، وهذه انتقائية معروفة في الطرح المادي المتهالك وغير الموضوعي .. لا يوجد شيء يقيّم من خلال نصفه فقط ..

إذا قيّمت الشيء قيّمه بكل معطياته وليس بنصفها او ربعها ، حتى تستحق التبجح بكلمة "عقلانية" . الملاحدة واقعون في اخطاء عقلانية ومنطقية كثيرة و كبيرة، لكنهم لا يريدون ان ينبههم أحد، ويتفاخرون بالعقلانية رغم كل هذا .. مع ان الادعاء لا ينفع عند العقلاء، بقدر ما ينفع عند البسطاء الذين هم الشريحة التي يهتم بها الالحاد، لانها الاكثر.

لا يمكننا افتعال سعادة غير موجودة .. الأمر يحتاج إلى وهم أو سذاجة كبيرة أو ضعف نفسي شديد يوقف عمل المنطق!

الرد :

الحقيقة أنه لم يقف عمل المنطق مع الايمان ، في حين أنه واقف فعلا مع الالحاد، بيّن أين المنطق الذي سقط في كونك مؤمن؟ بينما بينتُ لك اخطاء منطقية لا يمكن أن يبتلعها العقل في الالحاد، الا العقل المغيّب المستبدل بلذة الساعة، والرغبة بعيشة مثل الحيوان الذي لا يفكر الا في لحظته ومتعته. كما أسميتها انت بالسعادة المؤقتة،

الدافع الى الايمان هو الخوف من الخطأ وعواقبه، وهي التقوى التي يرددها القرآن، ولم يردد الرغبة كما ردد التقوى. اما من يريد الانغماس في متعة اللحظة، فهو مثل النعامة التي تريد ان تدس راسها في الشعير حتى لا ترى مخاوفها وتتمتع بلذة الازدراد ..

العقل مبني على المخاوف وليس الرغبات. والانسان العاقل هو الاكثر مخاوف و احترازات وليس الاكثر لذائذ و رغبات، فالرغبات يعرفها أي حيوان بشكل جيد، لكن الاحتياط والبناء المنطقي والخوف المنطقي لا يعرفه الا الانسان، و راحة العاقل ان ينجح في تأمين مخاوفه الحاضرة والمستقبلية، وليس ان يغمس راسه في الشعير وتنحل المشكلة ..

قال المتنبي (ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم) .. ومعنى هذا أن النعيم لا يكفي لصنع السعادة، لأن للعقل والروح مقتضيات يجب ان تأخذ حقها، حتى نعيم الجنة المادي ليس هو السعادة، بقدر ما هو نتيجة للطريق الصحيح والشعور برضا الله. قال تعالى (ورضوان من الله اكبر) أي اكبر من الجنة .. لا تجد مؤمن حقيقي يرضى أن يعيش في جنات و نهر ، بينما الله يكرهه .. ستصبح هذه النعم علقم، وهذا شيء واقعي حتى، هل ترضى ان تعيش عند من يطمعك ويكرمك ولكنه يكرهك ويحتقرك؟ (ضل من يغبط الذليل بعيش .. رُب عيشٍ أخفَّ منه الحِمَامُ) ، المؤمن الحقيقي لو خيّر بين النعِّم وبين أن لا يدخل الجنة والله راض عنه لفعل ..

الانسان الذي تحركه اللذائذ فقط يكون ذلك على حساب العقل، مثل من يقتل نفسه بكثرة الطعام والادمان. العقل الحذر هو المبني على مخاوف و خشية، بل يبحث عنها ويفتش حتى لا يكون ساذجا ، وباختصار : الاكثر نقاط احتراز و خوف هو الاكثر عقلا، انظر الى الطفل الذي تحركه اللذة اكثر من العقل (الاحتراز) ، كيف يكتوي بالنار ويؤلم نفسه ويعرّض نفسه للخطر. لأن عقله لم يمتلئ بالمخاوف. مع أن عنده مخاوف لكنها قليلة. نحن نراقب الطفل خوفا عليه من رغباته، وانتم تبنون نظرياتكم كلها على الرغبة ! لأجل هذا قلتُ أن الالحاد منهج طفولي .. وفرويد يبني علم نفسه كله على الرغبة دون أي اهتمام بالخوف والخشية، مع ان اكثر احلام الناس خوف ، وهو يأولها على انها رغبات مكبوتة ظهرت على شكل خوف ..

هل رأيت أني لم أظلم الملاحدة عندما قلت أنهم لا يفهمون الانسان بل يفهمون المادة والراسمالية المتعلقة بالمادة، لان حركات الراسمالي مبنية على الرغبة، والتجارة والصناعة مبنية على التطور، نقلوا مهنتهم وفرضوها على الطبيعة. نحن نريد مفكرين لا نريد تجار يهود يفكرون ..   

اذن كل الفكر الذي يبنى على الرغائب و اللذائذ فكر سطحي وغير عميق، المؤمن يعرف بقلبه واحساسه ان المسألة ليست فوضى ، ويعرف ان هناك خالق حكيم مدبر ويعرف ان له حق و أن له طلبات، فيخاف ان يكون لاهيا و مبتعدا ومنغمسا في لذة اللحظة الساذجة والعابرة، واللحظة تجر اللحظة، وما الحياة الا لحظة، وفي الاخير موت وقبر، ومواجهة حقائق جديدة من عالم آخر. لا يكفي العاقل ان يقول : انا لم ار العالم الاخر اذن هو غير موجود، لأن العاقل يؤمن باشياء لم يرها ، بكنه رآها بحتمية العقل والمنطق والاحساس الفطري والادلة المتعاضدة. مثل ما تتنبأ بقيام مشكلة او ثورة قبل ان تقع، تبعا لمنطقك واحساسك. اذن المؤمن هو الاحوط، والملحد هو الأفرط، قال تعالى (ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) ، لهذا لن أطيعك ، معذرة ، ولن اتخلى عن عقلي ، معذرة أخرى.

حكمة الملحد : انت فارط افرطها معاك، أي اسقط فوضويتك على نظام الطبيعة و الاخلاق والمجتمع والكون . ليس كل الناس يرضون ان يكونوا بهذا المستوى، لان عقولهم تزعجهم بالمنطق والاستنتاجات، وقلوبهم ترهب من سوء العواقب والمستقبل القريب والبعيد، أليس الانسان السطحي لا يرى ابعد من ارنبة انفه؟ هل تريد ان نكون هكذا؟ حتى تقبلنا في نادي المفكرين الملحد الارنبي اللحظوي ؟

ثم السؤال : كيف تستطيع ان تركّز نفسك في اللحظة ؟ هل عقلك جهاز تبرمجه وتقول له : فكر فقط في اللحظة ولا تفكر بغيرها ، ثم يستجيب ؟ هذا جهل مطبق في فهم الانسان، أين هموم الوجود وهموم الوسادة وهموم التقدم في العمر وهموم الطريق الى اين يؤدي وأين مكاني وماذا انا افعل وماذا فعلت، وهل هو خير ام شر ؟ كلها تهاجم الانسان رغما عنه ومعاكستها تنتج مرض الكآبة.

أنت تتكلم عن انسان تصنعه انت وليس انسانا موجودا، انسان لا يعرف الا اللحظة ويستطيع ان يطرد الهموم متى شاء ولا يهمه الخوف ولا يعنيه، فقط مشغول باللذة والوصول اليها ! ويمكن برمجته كأي جهاز ينتجه المصنع الرأسمالي ! حسب مواصفات ومقاييس إلحادية ! اين هذا الانسان الذي يعيش يومه فقط؟ دلني على واحد حتى أخرج كذبه و إدعاءه المزيف للسعادة .. الانسان هو الانسان، شعور الانسان واحد في اساس تكوينه ..

الملاحدة اضطروا لدراسة المادة لانهم لا يستطيعون ان يخدوعها، بينما الانسان استطاعوا ان يخدعوه، لذلك لم يضطروا الى دراسة قوانين شعوره وعقله . الملاحدة لا يتكلمون عن الانسان كما هو ، بل كما يتصورون ، بموجب رغباتهم.

الانسان مخلوق خائف، هذه اقرب صفة له. والملحد يقول ان الانسان مخلوق راغب ومتلذذ ، لذا يجب الا يقف شيء في طريق لذته .. قال تعالى (ان الانسان خلق هلوعا) .. و تصميمهم هذا تصميم يناسب استهلاكية تخدم جيوب الراسماليين .. فالراسمالي يهمهه الانسان المقبل على الحياة والذي تحركه الرغبة وليس الخوف من الغرق في الديون، لأنه سيشتري اكثر ويتحمل الديون من بنوكهم، في ملاحقة لهذه السعادة الموهومة .. 

الافكار تأتينا والمخاوف رغما عنا، بل اكثر ما تاتي في لحظات السعادة، وتزداد كلما حاولنا طردها، وتسبب لنا الامراض النفسية والجسمية .. و كون الانسان يبحث عن السعادة ، هذا يعني انه هارب من ماذا؟ من عكس السعادة، الذي هو الاساس .. وهو الخوف .. اذن اساس الحياة هو الخوف وليس السعادة ..

افهموا الانسان اولا ثم تكلموا، لا يكفي فهم المادة التي تهتمون بها، انتم سميتم الانسان مادة، وناقشتموه نقاش مادة، التسمية كانت خطأ أصلا، فالانسان روح ومادة وليس مادة فقط. وهذا ما حدا بالالحاد أن يتسامح مع اتباعه في اعتناق الخرافات كاليوغا والطاقة الكونية والممارسات الروحانية الماخوذة من الاديان اصلا، لأنه عجز عن ان يقنعهم أنهم مادة، وخاف ان يفروا منه الى الاديان، فأعطاهم مسكنات خرافية مسروقة من الاديان، لكي يحافظ على بقاء الالحاد .. ثم يأتي ويهاجم الاديان بأنها تحوي خرافات ! تلك الخرافات التي رغّب بها أتباعه بشكل آخر. اذا انت تحارب الخرافات فحاربها على طول .. لا أن تحاربها من هنا وتقدمها كمسكنات من هناك .. هذا تعامل غير اخلاقي مع الاديان وحتى مع الاتباع .

انتم قلتم ان الانسان الة، استمروا في معاملته كآلة، حتى تتبينوا خطأ الفكرة من أساسها ، وأن الالحاد الحقيقي لا يمكن تطبيقه . 

القوانين الوضعية الواقعية المتطورة التي تواكب تطور البشر أقدر من الدين على حفظ استقرار المجتمعات البشرية!

الرد : كذلك القوانين الدينية تواكب وتتطور، مع مراعاة المنطلق، كذلك القوانين الوضعية لها منطلقات تراعيها وهي تتغير، ولها ثوابت دستورية. المسألة مسألة اجتهاد من عدمه ليس الا .. ومثل ما يدخل الاجتهاد في القوانين الوضعية ايضا يدخل في الدين، لاحظ التشريع في الاسلام مر بمراحل وفترات واختلافات وما زال يتطور والفتوى تتغير. هذا ليس فرقاً . بل حتى القانون الفرنسي اخذ الكثير من اساساته من الفقه المالكي . هي مسألة اجتهاد ونشاط وحياة وإرادة تقدم أو إرادة رجعية حسب مصلحة القوة المسيطرة. ليست المشكلة في الدين ذاته، دائما المشكلة في أتباعه، و اقصد الدين القويم الذي هو الإسلام، دين القرآن وما والاه ولم يتناقض معه من سنة أو اجتهادات علماء.

الإلحاد يأتيه الإنسان البالغ العاقل الحر المفكر طواعية دون تلقين ودون توجيه ودون إكراه .. فهل الدين كذلك؟
كلا ، ليس الدين كذلك، فلو تُرِك البشر دون توجيه وتلقين وتخويف وإغراء منذ طفولتهم لرأيت المساجد خالية ..، فأين رغبة النفس البشرية وميولها الطبيعي تجاه الدين؟


الرد : بل أنت الذي كلا ، لأنك لا تفهم النفس البشرية بل تفهم المادة، من هذا الذي استطاع ان يفرض على كل شعوب الارض – حتى الذين في الادغال – أن تكون متدينة ؟ حتى القبائل الحرة في الصحراء ! أأنت تتكلم من خيال أم من واقع ؟! القوة والسيطرة لم تستطع ان تحفظ الاستعمار رغم قوته وبطشه، فما هذه القوة الوهمية التي تتوقع وجودها و فرضت على الناس ما لا يريدون ولا يحبون وألزمتهم بالدين وهم لا يريدونه ؟ رجعنا مرة أخرى لعدم فهم الانسان ولا حتى التاريخ ..

هل تتوقع اذا تُرك الناس – وهم متروكين اصلا – سوف يتحولون الى ملاحدة مثلك كما فعلت ؟ ما هذا التصور ؟ كلٌ يستطيع أن يلحد، وهناك ملاحدة يعيشون في اكثر البيوت تشددا دينيا ، وهناك متدينون في اكثر البيوت الحاداً وليبرالية ، والواقع يشهد لي وليس لك ما دام الواقع يهمك ..

المسألة مسألة اختيار، هناك نفوس كما قلت لك يروق لها هذا الطرح، وتهمه العاجلة والانغماس في اللحظة، غير عابئة بالحقوق ولا الواجبات ولا القيم ولا الاخلاق اذا نافستها المادة، وهناك قلوب وجلة تبحث عن الحقيقة وتلتزم بها ولو على حساب المتعة . البشر على اختيارين لا ثالث لهما (وهديناه النجدين) ، مع أن الدين الحقيقي لا يتعارض مع المتعة لكنه يوجهها عن الظلم والبطر والفسق فقط. أي يخدمها افضل .

ومن قال لك ان الالحاد جاء من تلقاء نفسه ؟ له دعاة و مبشرون وإغراءات وله آليات أعمق ما تتصور تريد أن تتدخل في كل شيء حتى تسهل موضوع الالحاد وتجعله سائغا حتى في لعب الاطفال ومناهج الدراسة والفن والرواية والجامعات والسياسة الخ ..

تتصور انت لو عشت قبل 100 سنة، هل ستكون ملحد؟ طبعا لا، اذن كيف صرت ملحدا؟ بسبب الدعاية والتبشير من مجتمع ترى انه أرقى من مجتمعك، وسحرتك اساليب حياته. هل في اجدادك واحد ملحد ؟ أم أن القوة المهيمنة منعتهم ان يلحدوا؟! ها أنت الآن ملحد وتشتكي من ضغوط المجتمع على اختيارك و دينك، ولم تمنعك قسوتهم من الالحاد ! اذن لماذا لم يلحد جدك ؟ اليس الاصل هو الالحاد كما تقول ؟ هنا كيف ستردّ ؟ الذي عليك هو أن تغيّر هذه الفكرة لأنها خاطئة، ان كنت تحب الحقيقة كما تقول.  


يتبع ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق