الأحد، 10 أغسطس، 2014

رد على تعليقات موضوع اسبينوزا وابن رشد 2 (4 من 8)



لستُ أنا من اختار جنسيتي وجعل إقامتي في بلد مسلم، وجعلني عاجزًا عن تغييرها ..، ولا تعنيني ولا تفيدني في شيء رؤيتك أنت الخاصة الجميلة للإسلام، فأنا أعيش الإسلام واقعًا عمليًا مفروضًا علي متأذيًا منه، ودمَّر حياتي!

الرد : أنت تبالغ بلا شك، كيف يدمر حياتك الإسلام؟ هناك غير مسلمين يعيشون بين مسلمين ولم تتدمر حياتهم .. لكن الروح الكارهة تُعلّق كل شيء على الشيء الذي تكرهه، بما في ذلك فشلها الشخصي وكسلها. الكل عانى من جهلة الدين والمتطرفين و وقاحاتهم، وأنا منهم، لكن لم اقل تدمرت حياتي ، وربما عانيتُ أكثر منك، لأن الحياة التي يستطيع أحمق أن يوقفها هي حياة ضعيفة. أين اللولب البراجماتي لينقذ حياتك؟ ما الذي يمنعك ؟ الالحاد لا يجد أي غضاضة في النفاق، لماذا لا تنافق؟ هل هو حرام؟ كثيرون ينافقون ويستغلون، أم مبادئك تمنعك ؟ من اين أخذت مبادئك ؟ من الإلحاد؟ أم من الدين؟ المبادئ معروف أنها من الدين، والالحاد لا مبدأ فيه الا المصلحة، والنفاق أساس المصلحة، فكيف تضيق ذرعا؟ صاحب المبدأ هو الذي يضيق ذرعا بالجهلة و نقاشهم، اما البراجماتي فعينُه على مصلحته ولا يهمه أخطاؤهم، وليس معنيا بإصلاحهم بل بالاستفادة منهم، لهذا شرّهم على المسلم الصادق اكثر من شرهم على الملحد المنافق. صاحب المبادئ هو الذي يتضرر منهم. اما الملحد فيعلنها صريحة : لا مبادئ له ولا حرام ولا مكروه ولا مستحب، كل شيء "فري" ، المهم ان تستفيد و الا تتضرر، فلماذا المعاناة يا اخي؟ نافق ونافق ثم نافق، كما نافق غيرك، بل تستطيع أن تأكل بدينهم وتوافقهم على هواهم وتستغلهم حتى ..   

كل الكائنات الحية لها وسائلها الفطرية والغريزية (الذاتية) التي مكنتها من مواصلة حياتها وتنظيم شئونها والتكيف مع متغيرات الواقع، والتي تختلف باختلاف بيئة وطبيعة الكائنات، ولم نجدها بحاجة لتدخل خارجي ..، فهل يكون الإنسان العاقل أقل من كل الكائنات لكي يحتاج إلى توجيه خارجي مباشر؟؟

الرد : مقدمتك خاطئة ، فلا شيء يقوم بذاته .. لولا الشمس لما وجد النبات، ولولا النبات لما وجد الحيوان، كل شيء مرتبط بغيره، والاحياء مرتبطة ببعضها، ولو انقرض نوع منها لتضخم النوع الذي يعيش عليه، لو انقرضت القطط والثعالب مثلا لأهلكت الجرذان والفئران كل المحاصيل ولاحتلت الارض بدلا من البشر ..

ولهذا بدأت الحياة دفعة واحدة، هذا ما يقوله المنطق. حقيقة التوازن العلمية المرصودة تسقط نظرية التطور وتسقط نظرية الانفجار الكبير، لأن كلاهما تعتمد على التطور والصدفة، بينما الكل المترابط إذا أثبت أنه مترابط – وهذا ما فعله العلم – فمنطقيا يجب أن تكون حركته واحدة بوجود كل اعضائه، هذا هو المنطق. العلم اثبت أن كل الماديات والاحياء على الارض معتمدة على التوازن او الترابط .. عمال حوض السفينة قد يعملون فيه لمدة عشر سنوات، ولكنها لا تـُدشّن في البحر حتى تكتمل، ولو وجد نقص لأعيدت للحوض الجاف. اذن كل شيء تركيبي معتمد على التوازن لا بد ان يبدأ دفعة واحدة. محرك السيارة يجب ان تتوفر كل اجزاؤه وتوقيتاته ومقاساته حتى تستطيع ان تدير المفتاح. لأن المحرك أعضاؤه تعتمد على بعض، والطبيعة كما اثبت العلم اعضاؤها تعتمد على بعض، اذن سقطت نظرية الاوهام التطورية، واصبحت حدوتة عجائز ..

لا يمكن ان تبدأ السيارة بعجلة تتحرك لوحدها ثم تصطدم بالحجارة فتجد عمودا تلصق نفسها به، ثم تجد عجلة اخرى تعاني من نفس المشكلة فترتبط معها، ثم يحتاجون الى موجه، فيصطدمان بقرص دائري وبمحض الصدفة اصبح مقوداً لهما ... ألا ترى انها حدوتة اطفال تقولها عجائز ملحدة؟

هذا بالضبط ما تقولونه. والانتخاب الطبيعي شيء لا وجود له، إن هو الا الصدفة، والصدفة تهدم ولا تبني ، ولو بنت لأتت صدفة اخرى وهدمت ، والبناء اصعب من الهدم، اذن لا شيء تبنيه الصدفة ولا ترابط معقد تبنيه الصدفة، هذا ما يقوله العقل والمنطق، والمنطق حقيقي، وأنت تحب الحقيقة كما تقول.

لكي تثبت التطور عليك أن تسقط التوازن. وإسقاط التوازن يعني إسقاط العلم. وبما أنك لا تستطيع، إذن الله خلق الحياة ورتبها وآتى كل شيء خلقه ثم هدى، ونشير الى قول الفيلسوف ديكارت : لا بد أن يكون العقل وجد قبل الطبيعة، وكما قال تعالى (من كل شيء موزون)، ولماذا قال موزون؟ اشارة الى التوازن البيئي ..

اذن التوازن ضرورة للبقاء. والانتخاب الطبيعي المزعوم ليس عقلا حتى ننسب له التوازن بين الاحياء، الأحياء اذكى منه، لأن لها نسب من العقل، والانتخاب الطبيعي لا عقل له، لأنه صدف عمياء تضحك على صانع ساعات اعمى كما شبهه داوكينز، يحاول التلاعب بالعقول: فكلمة (صانع ساعات) تعني أنه يعرف صناعة الساعات، لكنه فقد بصره، هل الانتخاب الطبيعي عنده عقل مثل صانع الساعات؟ كيف ما ليس له عقل ينفع ما له عقل ويوجهه بما لا يستطيعه عقله؟

حتى تلحد تحتاج الى ايمان ميتافيزيقي بوجود عقل نظّم الكون ولكنه ليس إله ! أعجب كل العجب من ترديد الملحد لكلمة عقل ! مع أن كل ما يقوله ينصب في خانة الجنون وليس العقل، ويضرب عرض الحائط بالمنطق، مع احترامي لعقلك الشخصي فأنا اناقش اساطين الالحاد الذين قرروه، أما أنت فتلميذ لهم، اليس كذلك ؟

شبعنا من الأوهام والخرافات واستخفاف العقول، عليهم ان يغيروا الموضوع، فحتى الاجيال الجديدة في الغرب بدأت تشك في التطور، لأنه لم يستطع منذ 150 سنة أن يثبت نفسه كعلم، لم يزل في اطار قصص الاطفال المسلية .. 

ليست مقومات الكائن الحي "الذاتية" هي سبب بقائه، كل شيء عبارة عن نقطة من شبكة مترابطة، وهذا ما اثبته العلم، وإن شئت فاضحك على القائلين بنظرية الفوضى والتي يدللون عليها بمثالهم أن رفة فراشة في الصين تؤثر على قوة اعصار في كولورادو! يا لها من فوضى ! هذا هو الترابط والتوازن بعينه ..

ما دام أنهم اثبتوا الترابط (ولا يعنينا تسميتهم الغبية لها)، اذن كل ترابط حتى يبقى لا بد له من توازن حتى يبقى، وإلا تفكك، اذن الكون مترابط ومتوازن. وإلا لتفكك. وكذلك الحياة : تتحرك مترابطة مع بعضها ومع الجمادات حولها. بترابط متوازن، وإلا لتفككت. وكل مترابط متوازن ومتحرك لا بد أن يبدأ دفعة واحدة بتكامل كل اعضائه ومقوماته.. هذا هو المنطق، ان كان لا يعجبك فاحذفه في سلة مهملاتك ، لكن أتحداك أن تخطّئه، فقط ستهرب عنه وتحيد وتـُهمّش، لكن لست أنت المرجع ولا كل الملاحدة، همّشت أم لم تهمّش، فالجميع لهم عقول ولقد ولى زمن التقديس لمن يتمسحون بالعلم، لأن الملاحدة مندسّون هناك ، لا حبا في العلم، بل رغبة في تضليل الناس..

العلم المحترم يعرفه الجميع ، وهو المثبت المنطقي المجرب ، وهو الذي بنى الحضارة وليست خرافات الملاحدة التي لا تبني شيئا سوى الاوهام والامراض النفسية . العلم علم والهلوسة هلوسة .. كل عاقل يعرف التمييز بينهما.

الإلحاد هنا يحمل سلّمه بالعرض ويصطدم بالعلم مباشرة. لأجل قضية دوغمائية اجتماعية،غير عابئ بالعقل ولا بالعلم، متشبث بنظريات لم تثبت علميا، فقط لأنها تخدمه.

البشر والعلماء يخافون من الإضرار بالبيئة والانقراض واختلال التوازن. فلو كانت الحياة تحمل مقومات بقاءها وتكيفها لكل نوع على حدة، فلماذا نخاف من اختلاف التوازن البيئي؟ هل لاحظت التناقض؟

كل التطوريين يخافون من اختلال التوازن البيئي، مع أن كل الكائنات الحية تملك تقنيات التطور مع اختلال الظروف كما يزعمون ! وهذا تناقض فاضح. المفروض ألا يخافوا، فكل شيء يملك مقومات بقائه وتطوره. فقط المؤمنون هم الذين يجب ان يخافوا من اختلال التوازن.

هل اتضح لك كيف كذبوا عليكم ؟ يعتمدون على التوازن في حياتهم ويحتقرونه في تفكيرهم، حتى تنجح نظريتهم الوهمية، نظرية داروين، التي هي عكازة الملحدين، والملحدون عكازة الرأسماليين، لأن الدين يقف في وجه نفوذ الرأسمالي. اضحك بملء فمك على هذا الكلام، فضحكك لا يعنيني. لأن هذا كلام لا يمكن إثبات خطؤه، والضحكة لا تكفي أن تقوم بهذه المهمة.


أنت تقول بأن الغائية خير من الفوضى، وكأن هناك من يخالفك في ذلك، لا أحد يخالفك في ذلك يا سيدي، لكن ما هي الحقيقة، ما هو الواقع؟

الرد :

هذه مخالفة ، قولك بالحقيقة والواقع في هذا السياق يعني نفي الغائية على مستوى الانسان، والاعتراف بها على ما دون ذلك. وهذا تجزيء للحقيقة، يضطر اليه الالحاد، فيقر بالغائية تارة وينفيها أخرى. على طريقته بالتناقض المستمر مع النفس.

أنا أقول بأن الأخلاق خير من اللا أخلاق، الصدق خير من الكذب، الأمانة خير من الخيانة ..، لأنها تمنح حياتنا قيمة واستقرارًا وجمالاً وليس لأنها مفروضة علينا وأننا سنكافأ عليها بالجنة أو نعاقب بالنار .. كما يقول المسلمون أو كل المؤمنين!
 

الرد :

معذرة، أنت لست صادقاً بالقدر الكافي، لأن من يحب الاخلاق يحب من يؤيدها ويدعو اليها، ومعروفٌ حرص الدين على الاخلاق. بل هو الجهة الوحيدة التي تبني كل قضاياها وفرضياتها على الاخلاق. وأنت تكره تلك الجهة، إذن أنت تكره الاخلاق، علمت أم لم تعلم، وكونك تكره أن تكون مفروضة، لا يشير الى انك تحب الاخلاق، فإذا كرهت أن يُفرض شيء، فمعناه وجود رغبة في التخلص منه. المنطق يقول هذا.  


في مثالك بالسيارة والجزمة حول الغائية .. تحليلك ليس منطقيًا أو ليس أمينًا ..

الإنسان وجد نفسه مرميًا في هذا الوجود، ولم يعرف لماذا كان وجوده ..،

حبذا أن تكون هناك غاية ، لكن الجدل بشأنها لا يزال دائرًا ، لأن المدافعين عن الغائية حجتهم ضعيفة وواقعهم يتنافى مع حُجتهم ..
السبب المباشر والمعروف لوجود أي إنسان هو أنه جاء نتيجة لخضوع والديه لغريزتهم الجنسية كغيرهم من الكائنات، وبذات الكيفية الغريزية غير الكريمة وغير محسوبة العواقب!

بالنسبة للإنسان لا فرق بين عدم وجود غاية من حياته، وبين عجزه عن إدراك الغاية
!

الرد :

لماذا لا يوجد فرق؟ (أفمن يمشي مكبا على وجه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم)؟ من يعرف غاية سامية لوجوده تعطيه الايجابية والانطلاق، مثل من يرى نفسه كومة من الرمال تتحرك ثم لا تلبث أن تتفكك؟ ألا ترى المعاناة من قضية جدوى الوجود؟ والتي أودت بالكثير الى الانتحار؟ إذا قلت شيئا فعمّمه حتى تكون منطقيا، إذا كان لا فرق بين ان يكون للإنسان غاية أو ليست له غاية، إذن على بقية الاشياء ان تكون بنفس الدرجة. فتقول : لا فرق بين ان يكون للسيارة غاية أو ليس لها غاية، حتى يكون العقل معمّم ! مع ملاحظة أن هذا هو اللا عقل بعينه، أن تستوي الغايات وعدم الغايات ..

وكلمة : "عجزه عن إدراك الغاية" ، كلمة معقوفة، هل هو يبحث فعلا؟ أم أنه سعيد لأنه غير متأكد؟ بينهما فرق. الخطاب الإلحادي لا يقول أنه عجز، بل يقول انه لا توجد غاية، أي فوضى، اصنع ما تشاء فلا يوجد إله. ولا اي حقيقة مطلقة، هذه دعوى عريضة لعالم الفوضى، التي هي بدورها ضد الانسان نفسه. ولأنها ضد العقل والعلم والاخلاق فضلا عن الدين. وهل هذا دليل مقنع أن تقول : وجد نفسه مرميا !؟ إذن أي شيء وجد مرميا قل أنه ليس له غاية وليس له مالك! هل تقول مثل هذا عن الاشياء التي تواجهك في الطريق؟ كعربة أطفال على الرصيف وليس لها غاية ولا مالك ولا موجد! هل رايت إلى أي مستوى عقلي يقودنا الإلحاد؟ 

يمكن للبشر أن يصنعوا مبررًا لحياتهم يعرفونه ويتفقون حوله، لكن لا معنى لافتراض مبرر لا يمكن التحقق منه!

الرد :

كيف يصنعوا ؟ هذا يشبه أن تصنع إلها بيدك ثم تعبده! الإنسان لا يذعن الا لحقائق اكبر منه وليس لما يصنع بيده، هذه يعرفها بسطاء الناس. قل لي أنت : ما هي غاية وجودك التي صنعتها لنفسك؟ وهل أنت تتحكم بها أم هي تتحكم بك؟ طبيعي أن تتحكم بها لأنك أنت خالقها، إذن ليس لك غاية في الاخير، (أرأيت من اتخذ الهه هواه) . ثم إن الحاجة الى وجود غاية تدل على وجود غاية، أليست هذه الحاجة هي التي دفعتك لصنع غاية؟ لكي تستطيع مواصلة الحياة؟ بمعنى آخر : انك محتاج للعبودية، لكنك لا تريد أن تعبد الله، لأن تعاليمه أخلاقية ومقيّدة لاندفاع الرغبات و الشهوات. تريد إلها مقدورا عليه لا يقف في طريقك، وهذا ما تحاول فعله بدائل الدين من الروحانيات الملفـّقة من هنا وهناك، وهو مذهب منتشر وسبب انتشاره يدل على اخفاق الالحاد في التعامل مع الانسان، فاضطر ان يسمح له بأن يلتقط أنفاسه في واحات روحانية بشرط ألا تكون دينا، وأن تكون هذه الواحات من صنع البشر، حتى يتحكم بها هو.

الملحد الروحاني يريد أن يصنع إلها يكون هو إلهه، يخفف عنه صحراء الالحاد الجافة، لأن روح الملحد تعيش في وحشة. بعبارة أخرى : الالحاد الذي يدعي حرب الدين لانها خرافات، يفتح الباب على مصراعيه لكل انواع الخرافات الروحانية لكي يشبع بها حاجة الدين عند كثير من اتباعه الذين لم تثبت ماديتهم الكاملة، ناسيا طنطنته على العلم وحقائقه. اذ لا يزال في أرواح بعضهم نبضٌ يريد الله. تجد ملحدا يزعجك بتكرار "علم" و "حقائق" ، وفي نفس الوقت يمارس سحر الكابالا وخرافات اليوجا والطاقة الكونية قبل ان يذهب إلى الجامعة ، في مشهد كوميدي ..

هي عملية تعويض فاشلة، تدل على عجز في هيكلية الالحاد. وهذا دليل على انه لا يصلح أن يكون نظاما لحياة الانسان، فها هو يستعير روحانيات من ديانات شرقية موغلة في الخرافة مثل الكابالا واليوغا والطاقة الكونية، مع أنها مسكنات وليست حلول. حل الانسان الحقيقي هو في الدين الحقيقي والعبودية لله وحده وليس مع البشر، وهو حل لمشكلات كل البشر لو قبلوا بدون إلزام، لكن ماذا تقول للتكبر؟

حاول الإنسان أن يجد مبررًا لحياته، فلاحظ وجود كائنات عديدة من حوله ولعلها تتساءل مثله – لكنه لا يفقه قولها، قادته غرائزه وفطرته كما قادت غيره من الكائنات إلى تسهيل حياته وتجنب الألم المادي المباشر قدر استطاعته ..
آلمته الأشواك والأحجار ، فقادته غريزته إلى صنع حذاء تقليدًا للحيوانات التي لا تؤذيها الأشواك والحجارة .. فصنع حذاءه من جلد الإبل بادئ الأمر ..
آلمه السير لمسافات كبيرة ونقل الأحمال، فاستعمل الحيوانات، إلى أن صنع السيارة ..

هذه أشياء فرضتها ضرورات الحياة الوقتية، استوجبتها الحاجة المباشرة لا الغاية تمامًا كما استوجبت حياة الفأر غريزيًا أن يصنع حفرة يختبئ ويتوالد فيها ..،

الرد :

ما الفائدة من ذكرك قصة الحضارة ؟ وما دخلها في موضوعنا؟ موضوع الحاجات مختلف عن موضوع الغايات، لماذا خلطت بينهما؟ الانسان اصلا وجد متكاملا في ارض متكاملة، فيها طعامه وسكنه و كل مقومات حياته، ما كان عليه الا ان يعمل فقط، فهذه الاشجار أمامه مليئة بالثمار عليه ان يقطفها، وهذه الحيوانات والمعادن والصخور وغيرها كلها يستطيع ان يستفيد منها، والغلاف الجوي يحمي الجميع من الاشعة الكونية، والرياح تقوم بعملية التبريد وتوزيع المياه العذبة، والارض تتشقق وتخرج منها العيون والانهار، وتدور محدثة الليل والنهار حتى لا يحترق المنزل وحتى لا يتجمد، وتمتلئ بطونها بالأسماك، ما الذي ينقص الإنسان؟ كل هذا جاهز لم يصنعه الانسان ! ما الذي صنعه وكيّفه وحماه وأدفأه وبرّده؟ قليل من الشكر لمن يستحقه .. وهذا هو المعنى الذي يدور عليه القرآن كثيرا، وهو تذكير الانسان بالنعم الجاهزة التي أعدت له، قال تعالى (فلينظر الانسان الى طعامه، أنا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا ..) ، حتى يبحث بعقله ومنطقه وأخلاقه عن الخالق المدبر، وما العبادة الا شكر ، قال تعالى (إما شاكرا وإما كفورا)، والشكر أخلاق وعقل. الانسان أفسد في البيئة ولم يصلح (بسلاحه الذي يفتخر به وهو العلم النفعي)، قال تعالى : (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس) ..

العاقل لا يقول ابدا أن هذا كله بمحض الصدف، قال تعالى (سبحانك ما خلقت هذا باطلا)، هذا لا يقوله عاقل، ولو كان هذا الامر صحيحا لاعتمدنا الصدف أكثر من العقل ما دامت تفعل كل هذا .. قال تعالى : (أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم انزلتموه من المزن أم نحن المنزلون) .. اعتمدنا العقل لأنه يأتي بالشيء الحسن ، اذن الشيء الحسن جاء من عقل ولم يأتي من صدف. ( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون) .

العلم يحاكي الطبيعة ويتعلم منه، وإذا كانت الطبيعة غير عاقلة، فهل العاقل يتعلم من غير العاقل؟ و طبعا هي ليست عاقلة بذاتها، إذن هي نتيجة عقل كبير. والعقل البشري لا يستطيع إستيعاب أي شيء فوضوي. إذن العقل نتيجة للطبيعة، أي نتيجة للعقل الكلي، إذن كل شيء من الله، حتى عقلنا وعلمنا ، (قل كلٌ من عند الله) .

ولو قصّر الانسان حياته على الادنى لاستطاع ان يعيش ايضا. انتم تريدون أن تصوروا لنا ان الانسان وُجد كسيحا ناقصا وحاجاته ناقصة، وهو الذي كمّل نفسه وكمّل حاجاته، وهذه نظرة ناقصة ومعطوبة وجاحدة. الانسان وُجد في بيت مؤثث، حتى الثمار تلوّن نفسها بالوان جميلة حتى يراها بين الاوراق وياكلها. وكل ما يحتاجه موجود على هذه الارض، حتى مدخرات اكتشف فيما بعد أنها وضعت له كالبترول والمعادن. (هو الذي سخر لكم ما في الارض جميعا) أما صورة الانسان المعاق المتخلف المتخبط فهذه غير منطقية ولا واقعية وهي من رسم خيال الملاحدة، ذلك الخيال المجدب، علينا ان نكون واقعيين ما دام يهمك الواقع، ما الذي كان ينقص الانسان اصلا؟ بل أنا اؤيد أن الاساس الفطري الذي وجد عليه الإنسان كان هو الاصلح للانسان، نعم التكنولوجيا صنعت له آلات متطورة في الري، لكن نتيجة هذا أن غارت المياه ونضبت الموارد. العلم عالج الاطفال، والنتيجة انفجار سكاني يعاني منه الجميع. العلم أنار الليل، فاختلط الليل بالنهار. العلم عالج أمراض وأنتج أمراض لم تكن موجودة. وهذا لا يعني أنني ضد العلم أو مستغني عن الكهرباء، سيكون وضعي شاذا، بعبارة أخرى : لم يكن الانسان محتاجا لأي شيء بمعنى الحاجة، أما الأطماع وطلب الرفاهية فلا حدود لها.

أنت تتوقع ان الانسان في العصور القديمة عاش في بؤس، وأنا أتوقع ان الانسان العصري هو الذي يعيش في بؤس وكآبة وامراض وقلق لم تكن بهذه الدرجة عند القدماء، وكان عندهم وقت للتأمل، بل لم يكن الوقت سيفا على رقابهم كما هم الآن. حتى الآن الأخطار ومصادر القلق اكثر بكثير من مصادر القلق عند القدماء، انظر الى النقل فقط عندنا وعند القدماء، كم ضحايا هذا وكم ضحايا ذاك. طبعا كلام لا يعجبك، لكنه يستحق ان تتأمل فيه إن كان وقتك يسمح ..

اذا نظرت الى معطيات الحضارة بجزئية تجد أنها مفيدة، لكن النظرة الشاملة سوف تحذف من هذه الفائدة القدر الكبير، السيارة سريعة لكن الواقع في المدن أن من يمشي على رجليه او حصان سيصل اسرع و اسلم من التلوث والإزعاج. كان التنقل عند القدماء فسحة و شم نسيم، والتنقل عندنا اصبح معاناة و شم ثاني اوكسيد كربون ! اغنى الاغنياء يقضون اجازاتهم في الريف أو في جزر نائية على فطرتها، أي حياة اقرب لحياة القدماء، ويفعل ذلك رؤساء دول وبنوك، ليكونوا اقرب الى الطبيعة وأبعد عن تعقيد الحضارة وقلقها. كل شيء أسرع هو الأخطر، اذن لم يوجد الانسان في ظروف سيئة ثم حسّن نفسه، بل وجد في ظروف حسنة لم يعرف قيمتها لا بعد أن فقدها بعمل يديه، وهكذا الإنسان ظلوم جهول كما قال القرآن، أي يضر نفسه بنفسه اذا لم يتبع قانون السماء.

عاش الانسان مئات القرون بدون سيارة ولا كهرباء، هذه كماليات و ترف. لكن مقوّمات وجوده موجودة معه، فهو لم يبدأ وجوده من الصفر كما يريد أن يقنعنا السيد إلحاد عن خرافات الانسان الاول صاحب الجمع والالتقاط وأكل الاغصان (الحيوان لا يأكلها!) . و شغلَه موضوع الغاية قبل السيارة وبعد السيارة، لا تحشر ما ليس مهم بما هو مهم. الغاية أهم من الحاجات. وكثير من الناس مستعد بل فعل أن يخسر ترف الحياة مقابل ان يكسب معرفة ذاته ولماذا هو موجود، وفعلها كثيرون، أما الإنسان المادي فهذه الماديات والكماليات هي هدفه وغايته وسر وجوده، أن ينعم وينعم وينعم، فقط، ويقف اهتمامه عندها، مع أنها مؤقتة ومليئة بالنكد وسريعة الزوال (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة)، إلى أن تتوقف معدته عن القدرة على الهضم. المادي لا يعرف السعادة، لذلك يبحث عن الإثارة والتجديد، وهي تحل عنده محل السعادة.

البشر على نوعين، أنا أخطّئ كل من يتعامل مع البشر على أنهم شيء واحد، إلا على مستوى الجسم والمادة فهم متقاربون، ولكن على مستوى الروح هم على نوعين : روح إنسانية و روح مادية . (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها) ، هناك اشخاص ماديون يضربون اخماسا بأسداس وهم يرون من يضحي بالترف بحثا عن الذات واستقرار الروح، بل ويصفونه بالجنون، كيف يترك هذه النعم والشهوات؟ لكن هناك بشر يعجبون بهذا الفعل، ويتمنون أنهم مثله، ويرون من الجنون الاسراف في توظيب الجسم وتدليعه على حساب الروح وهي الاثمن. من هنا تنشأ الإختلافات في وجهات النظر، وهذا منشأ عدم التفاهم العميق الذي يحصل بين الناس (وما يزالون مختلفين).

هذه هي نظرية الاختيار التي أنادي بها، وهي تشير الى الدوافع العميقة والمتناقضة في الاتجاه، وهي التي تقسم البشر الى قسمين، وهي منشأ الحمائم والصقور. أعرف ابناءً حجروا على والدهم بحجة الجنون، لأنه اراد ان يرضي شعوره وضميره بأعمال خيرية، وعندما كان بخيلا كان يرونه عاقلا، وعندما صار كريما صار مجنونا، هذا من منظورهم المادي، لكن واحدا منهم كان يعجبه ما يفعل والده، و اخوته يتهمونه بالجنون ايضا، لأنه وريث معهم. هل رأيت سوء التفاهم ما منشؤه؟

فلنلاحظ عدم التفاهم بيننا الان، لأني أميل لاختيار وأنت تميل للاختيار المضاد له، أنا اقول أن الإنسان عقل وروح وجسم، وانت تقول الانسان جسم والبقية توابع له، أنا أقول الجسم يتبع الروح، وأنت تقول الروح تتبع الجسم، وأنا وأنت نمثّل قسمين كبيرين مجموعهما هم البشر، في كل زمان ومكان. نحن تهمّنا الغاية وأنتم لا تهمكم الغاية. نحن تهمنا الروح أكثر من الجسم، وأنتم العكس. نحن يهمّنا المعنوي وأنتم يهمكم المادي، نحن تهمنا الاخلاق وأنتم تهمكم المصلحة، نحن تهمنا كل الحقيقة، وأنتم تهمكم الحقيقة الدنيوية اذا لم تعارض مصلحتكم. ستجد هذا الاختلاف في كل مكان وزمان. و صراع الفلسفة ينقسم الى هذين القسمين. قال تعالى (وهديناه النجدين) اي طريقين لا ثالث لهما : طريق الحقائق المطلقة، وطريق الحقائق المصلحية، طريق الغائية وطريق اللا غائية، فريق المادية وفريق المعنوية. فريق العاجلة وفريق الآجلة. 

يتبع ..

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق