الثلاثاء، 5 أغسطس، 2014

ما هو دافع المؤمن للإيمان بالله وعمل الأخلاق؟ (رد على فكرة: الدافع للإيمان والأخلاق عند المتدين هو الثواب والعقاب)



الثواب والعقاب دليل على احترام الفضيلة و علو شأنها ، الدين لا يريد ان نمارس الفضيلة لاجل الثواب والعقاب ، بل لأجلها هي: (يحبهم ويحبونه) ، لكن لو لم يرتِّب ثوابا وعقابا لقال الناس : ليست الفضيلة ذات قيمة ! ولو كان لها قيمة لترتب عليها ثواب وعقاب واله قادر على كل شيء !!

المؤمن قبل ان يؤمن يدفعه حب الجمال والفضيلة والانسانية والعقل والعلم ، وعن طريقها يعرف الدين ، ثم يعتنق الدين ، ثم يتقبل ما فيه من ثواب وعقاب . وليست البداية من الثواب والعقاب يرتبها دين لا يعرفه ولا يثق به! لن يكون لها قيمة . إذن ففكرة الملحدين بأن المؤمن يحركه فقط الترغيب والترهيب فكرة سطحية وغير دقيقة.

أنا مسلم ، والمسيحية تقول : اذا لم تعترف بالمسيح يسوع الابن المخلص فإنك سوف تحرم من الحياة الابدية ، هذ التهديد لا يخيفني مع انه كبير لأني لا أعتقد ان عيسى ابن الله ولكن عبده ورسوله كبقية الانبياء ، ولو كان كلام الملحدين صحيحاً لكان اي تهديد من اي دين سيرعبنا . بل ان المؤمن يؤمن وهو لا يعرف العقوبات والثوابات إلا فيما بعد ، و لاحظ ان هذه الثوابات والعقابات واسبابها لا يتقيد الناس بها كثيرا بقدر تقيدهم بالايمان ، وهذا الدليل ينقض كل الفكرة الالحادية في ان المؤمن آمن وعمل الاخلاق بسبب الترهيب والترغيب ..

في الحقيقة أن الواقع هو عكس ذلك ، فما أكثر مخالفات المسلمين لاشياء كثيرة ترتبت عليها عقوبات قد يتعرضون لها ، وثوابات قد يحرموا انفسهم منها ، ولكنهم لا يختلفون على الايمان بالله الخيّر . ولو كان الثواب والعقاب هو السبب لكان تركيز المؤمنين عليها ولما فرطوا في هذا الجانب ، اذاً التهمة باطلة وغير دقيقة كعادة الفكر الملحد في عدم دقتها . بل الحقيقة ان الملحد هو الخاضع للترهيب والترغيب ، والشيطان يخوفه على مصالحه ومتعه ، مع انه سيتركها قبل ان تتركه . هذا اذا حصل عليها فعلاً : (ذلكم الشيطان يخوف اولياءه)..

فالملحد يخاف ان يفتقر من الزكاة ، ويخاف ان يجوع من الصوم ، ويخاف من الالتزام بالاخلاق ان تتضرر مصالحه . والمصلحة عند الملحد وهم كبير ، يراه في المستقبل ولا يراه في الحاضر : (يعدهم الشيطان ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا ) .

ومن يرفض فكرة الثواب والعقاب بسبب لا اخلاقيتها ، فيجب ان يعمم رفضها على كل المستويات ، فلا يجب معاقبة المجرمين ، ولا أن يتم تربية الابناء على مبدأ الثواب و العقاب ، وعليها يجب ان تلغى حتى جائزة نوبل ، لانها تشجع وهي عبارة عن ثواب!

المادي يخالف مبادئه عندما يفعل افعال اخلاقية وليست تجارية ، وهو يخالف الالحاد حينئذ ، والمؤمن يخالف دينه اذا فعل افعال لا اخلاقية . لن يكون الناس كلهم مؤمنين يوما من الايام ، ولن يكونوا كلهم ملحدين يوما من الايام ، اذن كل الادلة والترهيب والترغيب والاغراء ، كلها غير قادرة على اجبار الناس على خط واحد ، اذن لا يتحكم بهم شيء سوى اختيارهم بين الخير أو ترك الخير (الشر) .

الملحد رأى الالحاد حسنا فألحد ، و المؤمن رأى الإيمان حسنا فآمن ، ليس قدرا ان يكون المؤمن مؤمنا والملحد ملحدا ، بل التغيير وارد حسب الرؤية . وما دام هناك مؤمنون يخرجون الى الإلحاد والعكس أيضا ، اذن ليس الترهيب والترغيب هو من جعل الناس يؤمنون أو يلحدون أو ينتقلون الى دين اخر ، بدليل وجود من يلحدون بعد ايمانهم ..

ولو كان كلامهم صحيحا لتجمع الناس كلهم على أكثر الاديان ترهيبا وترغيبا . في الواقع : لم ينفع معهم الترغيب والترهيب ، اذن ما الذي يحرك الناس ؟ ليس العقل ولا العلم ولا الترهيب ولا الترغيب ، بل هو الرغبة والاختيار وتطويع الاشياء الاخرى لهما بما فيها العقل ، فالملحد له منطق والمؤمن له منطق ، الملحد له متع والمؤمن له متع ..

وإذا تكلمنا عن الايمان نتكلم عمن يتبناه فعلا لا عمن هو هويته . ولماذا المؤمن يتكلم عن الايمان بانه شيء جميل وجليل ؟ لماذا لا يقول ان فيه مكاسب مستقبلية ؟ اذن الملحد تقوّل المؤمن ما لم يقله ، ولو كانت المصلحة هي سبب الايمان لقالها المؤمن . ومن همّه الاول المصلحة لا يفرط بها عاجلة لاجل مصلحة آجلة .

المؤمن يعرف ان ربه يحب الخير وهذا يدفع المؤمن لان يحب الخير لذاته . لاحظ أن الثواب والعقاب ليس قانونا محددا دقيقا ، بل هو قابل للتأويل ، لدرجة انك من الممكن ان تختلف على اوضح الاشياء من خير او شر مع احد ، ولا تستطيع ان تقنعه بالكامل بأن هذا خير وذاك شر !

لو كان المؤمن يعمل لأجل الثواب والعقاب ، لكان الخير والشر محددان بدقة لديه ، بل حتى القرآن لم يحدد بدقة ، فهو يستعمل العموم : (الذين امنوا وعملوا الصالحات ) ( الله لا يحب المفسدين) ، (ولهم اجر عظيم) ، (ولهم عذب شديد)  .

من يستطيع ان يحدد بدقة ان عملا ما اقوم به هو خير او شر ؟ لا ننس التاويلات التي لا حد لها . وما دام ان الخير والشر غير محددان بدقة ، سيكون الثواب والعقاب غير محددين ايضا . اذن ليس هما اجندة العمل لدى المؤمن ، فالأجندة تحتاج إلى شيء واضح ومفصّل..

 الاجندة هي ان يحب الخير وان يجتهد في فهمه ، ويكره الشر ويجتهد في فهمه ، وقد يخطئ وقد يصيب ، ولكن المعوّل هو النية . لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب الخير ويكره الشر والافساد ويعتقد ذلك ، ثم يبدأ حياته ليس بدافع الترهيب والترغيب ، لانه لم يحدد اصلا ما هو الخير وما هو الشر ، بدرجة دقيقة وواضحة .

المؤمن الحقيقي لا يفكر بالثواب والعقاب ، لانه يثق بعدالة ربه وأن رضوانه كافي ، وهذا بدافع الحب لا بدافع الترغيب ، فإذا كان هدفك رضا احد ويكفيك ذلك ، دون النظر إلى ما يمكن ان يعطيك بالمقابل ، فسيكون دافعك الحب ، والمؤمن لا يمسك ورقة وقلم ويحسب ماذا كسب من الحسنات او السيئات ، و ماذا ينتظره من الترغيب والترهيب .

المؤمن الحقيقي يعيش حياته بتلقائية مثل غيره .ويفعل الخير بتلقائية ويجتنب الشر بتلقائية ، فهو ليس روبوتا يعبّأ بالتعليمات والبرمجة كما يتصور الملحد ، لدرجة ان المؤمن يفعل بنية خير ومن حوله يتهمونه بالشر احيانا ، ومع ذلك يصرّ على وجهة نظره . مما يدل على عدم امكانية تحديد الخير والشر والاولويات فيهما .

المؤمن الحقيقي يعرف ان الاخلاق والصالحات والسيئات ليست قوانين محددة ، بل ان النية هي التي تعطيها قيمتها من خير او شر ، فتستطيع ان تعمل شرا من خلال خلق خيّر كالصدق مثلاً عندما تفضح أحدا وتفشي سراً ، وكذلك تكذب لأجل الخير أحيانا ، ولو صدقت لأضررت بالناس في بعض المواضع .

هذه هي اخلاق المؤمن الحقيقي وليست قوالب يستطيع ان يفعلها الصادق والمنافق . هذه الاخلاق هي التي يراها المادي : القوالب . وهنا نقطة هامة جدا في التفريق بين اخلاق المؤمن واخلاق الملحد: اخلاق الملحد مرتبطة بالقوالب فقط ، لان الناس لا يعرفون نيتك ، ولكن اخلاق المؤمن الحقيقي معتمدة على نية الخير ، لسبب بسيط وهو ان الله يعرف نيتك .  

الترهيب والترغيب له هدف ! منطقيا : لماذا الله يرغبنا بالخير ويرهبنا من الشر ؟ ما مصلحته ؟ هذا لكي نفهم أن الله يحب الاخلاق ويكره سوء الاخلاق. والمؤمن يحب الله ، وبالتالي يحب ما يحبه الله . وما احب المؤمن الله إلا لأن الله يحب الخير والاخلاق ، وهكذا يستقطب الايمان كل من يحب الخير والاخلاق ، فأنا شخصيا لو علمت أن الله لا يحب الاخلاق ، لكنت في عذاب شديد ولما اعتنقت الايمان .

لا أعرف الله إلا من خلال الاخلاق . وها أنا ذا وجدته اكثر من يهتم بالاخلاق لدرجة انه يعذب عليها ويجازي عليها ،  بل هي قصة الايمان فقط فكل حكاية الايمان هي اخلاق فقط ، من يفعلها يكافأ عليها ، ومن يهملها يعاقب عليها ، وهذا بالضبط هو ما أريد ولا ارضى بأقل من ذلك وليس هناك أكثر من ذلك اكراما للاخلاق، لا ارضى بإله لا يثيب الأخلاقيين ولا يعاقب سيئي الاخلاق ويساوي بين الجلاد والضحية ، كإله اللادينيين . ولا أرضى ان يكون مستقبل الضحية والجلاد إلى كومة التراب الالحادية التي لا جمال فيها ولا أخلاقية . تلك الكومة التي تقول للإنسان : افعل ما تشاء فمصيرك إلى كومة تراب ولا شيء بعد ذلك ، إنها كومة لا اخلاقية..

المؤمن ينتظر مستقبل اخلاقي بعد الموت ، والملحد لا ينتظر مستقبلا اخلاقيا بعد الموت . فأي المستقبلين يدعو للفضيلة اكثر ؟ وايهما يشجع على الرذيلة ؟ وايهما اجمل وايهما اقبح؟




ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق