الجمعة، 29 أغسطس، 2014

إجابة عن سؤال : علاقة الجمال بالمعرفة، وهل هو يتطور بها أم بالإحساس ؟

السلام عليكم أستاذي الوراق .. عندي سؤال هل الجمال مرتبط شرطاً بالمعرفة ولا يوجد جمال بذاته ؟ فكل ماهو نافع لنا نراه جميلاً مثلاً ، لو لم يكن لي دراية بالشعر وقرأت شعراً يصف الكرم لقلت بأنه جميل بينما متخصص آخر يقول عكس ذلك. هل رؤيتي للجمال تتطور وفقاً للمعرفة أو للإحساس؟

الجواب :

الحقيقة أنه يتطور بهما معا .. فإحساسك بجمال القصيدة لا يمكن أن يجعله ذلك المتخصص خاطئا أو يخطئه مهما فعل ، ولا تصدقيه إن قال، صدّقي إحساسك ، وحاولي أن تترجميه، لأن الثقة تُبنى من الإحساس المترجم، وليس على الإحساس فقط، كما تفعل كثير من النساء. وهذا أسميه شرط تكامل المعرفة : إلتقاء الإحساس مع العقل ..

الشعور لا يَخدع ولا يُخدع، والشعور مشترك بين كل الناس، لكنك نظرتي من جانب وهو نظر من جانب آخر. ربما اختلف تركيزكما بين الشاعر والقصيدة، و ربما قد يعرف اكثر، في جوانب اخرى عن تلك القصيدة. وبمعرفتك بالشعر أكثر تجدين نقاط جمالية جديدة، فجمال الجوهرة يعرفه الصائغ اكثر من غيره، ليس لأن غيره لا يملك ذوقا جماليا، لكنه يعرفه من ناحية أخرى. كالندرة مثلا، والندرة من مقاييس الجمال و مقاييس السوق ايضا.

لو كان تقدير الجمال مرتبط بالمعرفة، لم يلق الشاعر قصيدته الا على مختصين. الكل يستطيع تذوق الجمال مهما كانت ثقافته. لكن الثقافة قد تصقل هذا الجمال إذا كانت ثقافة أصيلة وتبين قيمته الحقيقية من خلال المقارنة، وتسلط الضوء على جوانب جمالية لم ينتبه لها الناس.

كثير من العظماء لم يكونوا عظماء عند جماعتهم القريبة، اذن المعرفة تزيد تذوقنا الجمالي والفني إذا كانت مبنية على حقائق ثابتة. العجيب أن المعرفة الزائفة تفسد الذوق الجمالي والفني، فمثلا شخص متشبع بأفكار الماديين ومدارسهم الفنية والأدبية، سوف يكون ذوقه الفني فاسد، بحيث تعجبه لوحات فيها خربشة و وجوه مشوهة، ويفضلها على الفن الأصيل الجميل. لأنها ترمز لمدارس فكرية ينتمي إليها، لو جئنا بلوحة لمايكل أنجلو مثلا، أو الفنان الإيراني مالكي ، وجئنا بلوحة لسيلفادور دالي او بيكاسو، وعرضناها على جماهير عاديين، سوف يبدون إعجابهم بالأولى و ربما ضحكوا من الثانية. أما المثقف المادي فسوف يكون عكسهم، لأن ذوقه فسد بسبب ثقافته الفاسدة. لكن لو جئنا بمثقف يحترم إحساسه ومطّلع على المدارس الفنية العالمية وممارس للرسم، سيكون تقديره للوحة الأولى أكثر من تقدير الجماهير، يعطيها حقها أكثر. وقديما قالوا : (الذي لا يعرف الصقر يشويه) .

إذن المثقفون أو المختصون أفضل في التقييم ، لكن متى ؟ إذا سلِمُوا من التعليم الخاطئ والأدلجة. والذي سيجعلهم أردأ ذوقا من العوام. إذن الشعور هو اساس الإحساس الجمالي وغيره. والعقل يكمّل ويفسّر ويضع النقاط على الحروف .

و كلمة (جميل بحد ذاته) غير دقيقة، لأن الشعور الإنساني هو الذي يعرف الجميل وغير الجميل، لولا الإنسان لم يوجد شيء جميل. لا بد من الإنسان، إذا كنتي تقصدين هذا المعنى فهو صحيح. الشعور هو الذي يميّز ويظلّل على الأشياء، جمالا أو قبحا، ثم يأتي دور العقل.

لاحظي في معرض الملابس تجدين نفسك منشدّة إلى فستان معين بألوان معينة، من أول نظرة، ربما هذا ما تقصدينه بالجمال بذاته، ثم يأتي دور عقلك في مقارنة المقاس ونوعية القماش وكونه مناسبا للمناسبة التي تريدين والسعر ، إلى غير ذلك. و ربما تركتي هذا الفستان، بسبب عقلك لا إحساسك. هذا ما يفعله الناقد الأصيل : يتحسس بإحساسه ثم يترجم بعقله.

كلما كان العقل واسعا ومجال المقارنة فيه واسع كان التقييم أدق.

وللتوضيح اكثر : راجعي هذه الروابط من مواضيع المدونة ..





ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق